إياد
شماسنة | شاعر وروائي
صدر ديوان حمامة القسطل للشاعر الفلسطيني محمد
شريم عام 2024 عن "مكتبة كل شيء" في حيفا، ليشكّل إضافة نوعية
إلى مشهد الشعر الفلسطيني المعاصر، وامتدادًا لمشروعه الشعري المستمر. يمثّل هذا
الديوان تداخلًا إبداعيًا بين البُعدين الذاتي والجمعي، إذ ينفتح على الذاكرة
الوطنية بوصفها مساحة حوارية بين الزمان والمكان، وبين المنفى والانتماء، في سياق
شعري يؤسس لمفهوم "الحنين المقاوم" بوصفه استراتيجية جمالية ونفسية
لاستعادة الهوية.
الشاعر، مؤسس منبر أدباء بلاد الشام، يتجاوز في تقديمه للديوان
الإطار التقليدي للمقدمات النصية، ويفتح بدلاً من ذلك فضاء تأويليًا متشابكًا، حيث
تتحول القصائد إلى خرائط وجدانية، تُقرأ لا باعتبارها نتاجًا ذاتيًا خالصًا، بل
باعتبارها تجسيدًا لخبرة جماعية عبرت المنفى، وحملت معها ذاكرة الأرض، وحق الحنين،
وتجربة النفي القسري المستمرة.
يمثل العنوان حمامة القسطل مدخلًا سيميائيًا لفهم البنية
الرمزية للديوان. فالحمامة، بوصفها كائنًا سلميًا، تتحول هنا إلى حامل صوتي
للذاكرة الوطنية، تحلّق بين مقاعد الصفوف الدراسية الفلسطينية، وتبعث في الأطفال
وعيًا متجذرًا بالأرض والانتماء. هديلها ليس محايدًا؛ إنه صوت المنفى، المعجون
بالأمل، والرافض للصمت.
تتجلى القرية المهجّرة ديرابان في إحدى أبرز قصائد الديوان
لا بوصفها مكانًا ماديًا فحسب، بل بوصفها صورةً رمزية للهوية المهددة، وشيفرة
جمالية تستدعي المكان بوصفه امتدادًا للكينونة. يعيد شريم إنتاج ذاكرة القرية عبر
منظومة تصويرية تعتمد على الإحياء الرمزي للأمكنة والرموز، فتتحول ديرابان إلى
كائن حي يعيد تشكيل نفسه في وعي القارئ، وكأنها ما زالت قائمة تنتظر العودة.
في أقسام أخرى، ينسج الشاعر علاقته بالمدن الفلسطينية الكبرى –
القدس، بيت لحم، والخليل – عبر تكثيف شعري يوازن بين التوثيق الرمزي والتمثيل
الشعري. فالقدس تمثّل لديه "عاصمة الوجدان"، وبيت لحم "منشأ السرد
الأول"، بينما تتجلى الخليل بوصفها "نسيجًا من الحزن والجمال
العميق". هذه المدن لا تحضر بوصفها معالم جغرافية، بل كذواتٍ لغوية تتنفس في
جسد القصيدة.
على المستوى الإيقاعي، يحافظ شريم على وفائه لبحور الشعر العربي
العمودي، مع انفتاح حذر على تقنيات الشعر الحر. هذه المزاوجة بين الإيقاع التقليدي
والفضاء الحداثي تمكّنه من بناء جسر جمالي بين البنية التراثية والتطلعات
الأسلوبية المعاصرة، بما يكرّس قصيدته كفضاء حواري بين الذاكرة والابتكار.
الحنين، كعنصر مركزي في البنية الشعورية للديوان، يتجاوز المعنى
الفردي ليصبح حنينًا جمعيًا لأمة كانت تتطلع إلى وحدة عربية شاملة، قبل أن تصطدم
أحلامها بواقع التجزئة وخيبات المشاريع الكبرى. ومع ذلك، لا يتحوّل هذا الحنين إلى
نوستالجيا مغلقة، بل يبقى مشبعًا بالأمل، حيث تُستعاد إمكانية الحلم مجددًا، بوصفه
مشروعًا مستمرًا لا ينتهي.
في محور آخر، يستحضر الشاعر رموز المقاومة الوطنية والروحية، مثل
الأسرى والشهداء، من خلال آليات التضمين الديني والرمزي؛ حيث يُستدعى النبي يوسف
رمزًا للصبر في ظلمة الأسر، وتُدمج السردية النبوية ضمن منظومة شعرية تحوّل الألم
إلى طاقة مضادة للانكسار، والنفي إلى موقع إنتاجي للمعنى.
يُولي الديوان أيضًا اهتمامًا بالغًا بالطبيعة، لا من منظورها الوصفي
التقليدي، بل بوصفها كيانًا فاعلًا في تشكّل الهوية الشعرية. المطر، الشجرة،
الريح، والسحاب، تتحول إلى رموز فلسفية تستبطن أسئلة الكينونة والوجود، وتوسّع من أفق
القصيدة نحو تأملات كونية تتجاوز الحدود المكانية.
ولا يغيب عن هذا العمل البُعد الحواري مع الأدب العالمي. ففي قصيدة
تتناول الشاعر الألماني غونتر غراس، يفتح شريم أفقًا للتفاعل بين المحلي
والعالمي، مؤكدًا أن الشعر، وإن وُلد من جغرافيا الصراع، فهو معنيٌّ أيضًا بالحوار
مع ضمائر الإنسانية في كل مكان. كما يستعيد في أحد نصوصه تراث الأصمعي بلغة جديدة،
يدمج فيها التراث بروح معاصرة ساخرة، ليعيد الاعتبار إلى الشعر كمجال متحرر، يتسع
للجدّ والهزل على حدّ سواء.
وفي قصائده التربوية، يتجلّى شريم بوصفه شاعرًا ملتزمًا برسالة
ثقافية وتربوية موجهة إلى النشء الجديد، حريصًا على غرس القيم الوطنية والمعرفية
عبر لغة محبّبة تجمع بين البساطة والعمق، وبين التوجيه والحرية.
خلاصة القول، إن حمامة القسطل ليس مجرد ديوان شعري، بل
مشروع ثقافي وشعري متكامل، يعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية في النص، ويؤسس لذاكرة
شعرية مفتوحة على الزمن والمستقبل. إنه نصٌّ يحاور الإنسان العربي في ألمه وأمله،
ويعيد للقصيدة دورها التاريخي كوعاء للهوية، ومجال للمعنى، ومجال للمقاومة
الجمالية.
تعليقات
إرسال تعليق