مجموعة من الاسئلة تلقاها الكاتب اياد شماسنة من الروائي السوي عبد الله مكسور:
ما
هي المكانة التي يحتلُّها الروائي في حضارته؟
المكانة
هي الموقع المرموق الذي يستوعب من يجري ثم يؤثر فيه، ومقابل ذلك يحصل على الاعتراف
بذلك التقدير كما ونوعا، ثم التقدير الكافي والمناسب، بالطبع هذه المكانة تتكون وتتأثر
بمجموعة من الشروط الحضارية، وتبدأ من بناء الذات المبدعة لدى الكاتب عبر تمكينها
من مجموعة من المهارات والأدوات الإبداعية وتوسيع مداركها؛ عبر الاطلاع واكتساب
الخبرات، وبالتالي تقدير الإنسان لذاته.
في هذا
السياق، يقول مويان؛ الأديب الصيني الفائز بجائزة نوبل للآداب عام (2012( حينما أكتب أشعر أنني إمبراطور
.وذلك نابع من إحساس عميق بالأهمية
والمكانة، وفهما للدور الذي يسهم به الروائي في حضارته، من تأثير قد يؤدي إلى
صناعة فارق ثقافي، وقد يكون هذا الروائي رسول الثقافة الوطنية لبلاده للمساهمة في
الثقافة العالمية، كما هو جارسيا ماركيز رسول أمريكا اللاتينية، والطيب صالح وأمير
تاج السر سفراء الرواية السودانية وحنا مينا سفير الشاطئ والبحر العربي، وغيرهم.
ما
هو الاعتراف الرسمي الذي يحظى به الروائي/ الكاتب، و ما هي الصفة التي يملكها؟
يختلف
الاعتراف الرسمي بالكاتب من أمة إلى أخرى ومن كيان سياسي إلى آخر، فبينما يعتبر
الكاتب الروائي أحد مكونات الطليعة للأمة وللفكرة الحضارية التي تقوم عليها الأمة،
كما كان في ازدهار الاتحاد السوفييتي الذي اعتمد على كثير من الأعمال الروائية
لتسويق مفاهيمه ولإبراز فكرته الاشتراكية، وكما تعتبر الحرب والسلام رواية مؤسسة
للثورة هناك، يمكن اعتبار عمارة يعقوبيان في مصر
مسمار كبير في نعش النظام المصري
الذي خلعته الثورة المصرية؛ بما أعلنت عنه صراحة من فساد يهز أركان المجتمع
والدولة. بينما تعتبر الرواية عملا إجراميا ينبغي مراقبته وقمعه ومحاكمة أفراده،
كما يحدث في عدد من الدول العربية وخصوصا عند ملامسة التابوهات (الجنس، الدين،
السياسة، رأس المال).
هل الروائي بالفعل ناطق حقيقي باسم الشعب؟ ما الذي يحكم هذه المكانة/ هل هي السلطة الإعلامية أم دور الكاتب؟
لا
اعتقد أن هناك وظيفةً للروائي غير أن يكون روائيًا، هو ليس سياسيا ولا منظرا
فلسفيا ولا داعية دينيًا. لأن الرواية جنس أدبي يقوم على صناعة الدهشة؛ تلك
التقنية التي تضيء أماكن لم ترها العين التي تعتاد على الأمور بسرعة، فيغدو الجميل
أمامها عاديا: فإما النطق باسم الشعب؛ وهي وظيفة إعلامية بالدرجة الأولى، يساهم
فيها الأدب إجمالا من شعر وقصة ورواية دون أن يحتكرها، أو يزعم تمثيل الشعب فيها؛ لان الوعي الشعبي أو
الثقافة الشعبية لا يمكن اختصارها في نوع أدبي معين.
أعتقد أن
التنوع الهائل في أدوات الثقافة يجعل تفوق نوع أدبي ما على غيره أمر خارج النقاش،
يحكم ذلك كله تواجد الأدب في القضايا الطارئة أو المؤجلة، فالقضية الفلسطينية قد لا تتواجد في الرواية
الموريتانية، وذلك لا يعني أن الشعب الموريتاني غير مهتم بالقضية الفلسطينية،
بينما في رواية رضوى عاشور من الفلسطينية ما هو مشابه ما لدى الفلسطيني تحت القصف الإسرائيلي.
ما
هي وظيفة الأدب و الرواية اليوم؟
يرى حنا
مينا أن للأدب وظيفة اجتماعية، ويرى غيره أن له وظيفة سياسية، أنا اعتقد أن
الوظيفة الوحيدة والشاملة للأدب هي أن يصنع فارقا ايجابيا، سواء كان في المجال الاجتماعية
أو السياسي، أو غيرها، ذلك أن الأدب عملية إبداعية ابتكاريه تتأسس على ضرورة تحقيق
الدهشة، وتفكيك المسلمات في العالم المألوف،
وإعادة بنائه، في صنع جميل، مفاجئ،
مدهش، وهذه الدهشة تمثل أداة تحريك، أو دافعا لخلق الفرق. بغير ذلك يعتبر تحويلا للأدب
إلى خطابة وإلى تنظير إيديولوجي، وان كان
عدد من الأعمال لا يخلو من ذلك.
هل ما يزال الأدب دعامة للهوية القومية؟
يمكن
اعتبار الأدب داعمًا للهوية أو معبرًا عنها، فعلى سبيل المثال يعتبر الأدب الروائي الفلسطيني أرشيفاً تاريخياً
لتطوّر الهوية، كما يحدث في المناطق المحتلة عام 1948 أو 1967، أو كما يراد من الأدب
العبري أن يكون داعمًا للفكرة الصهيونية أو الدولة اليهودية، وكما كان الأدب
السوفييتي داعما لفكرة الاشتراكية، والأدب الكردي تعبيرا عن القومية الكردية
ومكوناتها وتحدياتها.
لكن الأدب
الجيد لا يشكل دعامة، وإنما يكون رافعةً، ويضع سقفًا مرتفعًا لما يجب أن تكون عليها
الأمور: قومية أو حضارية. بمعنى أن لا يكون وسيلة تقوقع أو وعاء، يحاصر ويختصر، بل يفتح مغاليق وأفاقًا، ويضيء على مناطق مجهولة فرصًا محتملةً
لتطور القومية وتفاعلها الايجابي مع محيطها، بعيدًا عن التحريض، كما يحدث في بعض الأقليات
أو العرقيات المختلفة، التي تعيش في وئام مع مجموعات أكبر منذ مئات السنين.
هل
يعتبر الأدب حاويا للقيم التي قامت عليها الحضارة العربية و أقصد الرواية بالطبع؟
مطلوب
من الأدب إجمالا أن يحتوي القيم التي قامت عليها الأمة، لكن التأثر بالغرب كبير جدًا
لدرجة التقليد الكامل، تقريبا. وينبع ذلك من تجاهل وجود تطور متكامل لنظرية الأدب
في العربية يتوازى مع ثراء كبير في التجربة النقدية، مع ان التجربة الأدبية
الانجليزية، أو غيرها مما انشق من اللغة
اللاتينية، هو حديث نسبيا مقارنة بالأدب العربي وتجربته المتطورة المتوالدة.
وبالطبع، فان الاعتماد الجارف على مدارس ونظريات مستوردة يؤدي إلى تبني قيم مستوردة، ومغازلة جهات تقوم على هذه المدارس من
أجل الشهرة أو الفوز بالجوائز، أو غيرها. أما القيم الأساسية التي قامت عليها
الحضارة العربية، فتتمثل في استيعاب شامل للثقافات الأخرى، ثم صهرها في بوتقة واحدة، تتآزر فيها وتتآلف
مع احتفاظ الأصل بأصله، وضمان مساهمته الحضارية،
وينطبق ذلك على غيرها.
الرواية
بوصفها طريقةً للتعبير ماذا يعني أن تكتبها؟
الكتابة إجمالا، وكتابة الرواية خصوصًا، مساهمة حضارية
راقية وتعبير فني منح كاتبها إحساسا بأنه صانع للجمال أو مشارك فيه. واكرر
هنا مقولة الأديب الصيني مويان (حينما أكتب أشعر كأنني إمبراطور) هذا ما ناحية أهمية الكتابة الروائية للكاتب، أما من
النواحي الأخرى فهي عمل
انقلابي كما قال نزار قباني. وهي أداة اعتراف، أو مغامرة إبداعية إما تمنحنا اكتشاف حجر الفلاسفة، أو تنفجر في
وجوهنا كما تفعل التجربة الكيميائية ذات خطأ ما، لكنها في النهاية يجب أن تخلق
فارقًا ما.
هل
تمتلك الرواية خصوصية ما تجعلها تساهم في تكوين هوية حضارية للأمّة يعترف بها
الأدب؟
تمتلك
الرواية من الأدوات والتقنيات والمجالات المتاحة أمامها ومن إمكانية التجريب فيها؛
بحكم حداثة تكوينها مقارنة بفنون الأدب، ما يجعلها مساهمة في صياغة الوعي القومي لأمة ما، عندما يمتلك أدباء
الأمة الأدوات والتقنيات، والوعي الكافي بمفردات هوية الأمة وتحدياتها بعيدا عن
التبعية. وهنا يكمن التحدي؛ فالأمة التي تريد
أن يساهم الأدب في تكوين أو تطوير أو تعميم هويتها الحضارية، يجب أن تكفي ذلك الأدب
عموما، والأدب الروائي عموما شر التبعية
الثقافية والمادية.
إياد
شماسنة
روائي
فلسطيني
فلسطين،
بيت لحم، 28/03/2015م
تعليقات
إرسال تعليق