المشهد الثقافي في بيت لحم
إياد شماسنة\شاعر ورائي
باحث في بناء المؤسسات والتنمية البشرية
فازت بيت لحم بقرار اللجنة الدائمة للثقافة العربية
باعتماد المدينة عاصمة الثقافة العربية لعام 2020، وقد صدر مرسوم رئاسي بتشكيل
اللجنة المخولة بتحضير المدينة للحدث برئاسة وزير الثقافة، و عضوية عدد من الشخصيات
الفلسطينية، قليل ممن له علاقة مباشرة بالثقافة والفنون، وآخرين من رجال الأعمال أو السياسة أو
الحكم المحلي.
ومن الجدير بالذكر؛ أن لجنة تحضيرية أعدت الملف المرفوع
لتزكية بيت لحم، متعاونة مع وزارة الثقافة، وبلدية بيت لحم، هذه تم تغييب أعضائها
عن اللجنة التحضيرية، وانتقل الأمر إلى عالم الأعمال . وتبقى النتائج باستعداد بيت
لحم لتكون عاصمة الثقافة العربية قيد الانتظار .
لقد تم اختيار بيت لحم لثرائها المعرفي، وما ترمز له
مدينة الميلاد والمهد من تسامح وحوار بين مختلف الثقافات، بما يساهم مساهم فاعلة
في مواجهة ما تتعرض له المدينة من محاولات إحتلالية لتهويدها وطمس الهوية الثقافية
فيها، بدعوى ما جاء من أن داود عليه السلام قد ولد أيضا فيها وتلا مزاميره المقدسة
في ضواحيها .
بيت لحم الحاضرة هي أفراتا الكنعانية، مدينة متجانسة
ثقافيا، متسامحة دينيا، متنوعة الثقافات، استقبلت ثلاثة مخيمات للاجئين الفلسطينيين
وهي: مخيم الدهيشة، مخيم عايدة ومخيم العزة"، مما أضفى على المدينة مزيدا من
التنوع. وقد نشأت المدينة كضاحية أو ناحية من نواحي القدس قبل أربعة ألاف عام على
يد الكنعانيين، ومر بها النبي يعقوب في طريقه إلى جنوب كنعان، وفيها دفن زوجته
راحيل في المكان المعرف إسلاميا بمسجد بلال، وهو وقف إسلامي، ويعرف أيضا بين الأهالي
بمسجد قبة راحيل لما لها من مكانة في نفوس المسلمين والمسيحيين، وبعد ذلك صارت
المدينة حاضنة لميلاد سيدنا عيسى المسيح عليه السلام، وقد ورد اسم المدينة في
مخطوطات تل العمارنة بوصفها جنوب القدس، وفي سنة 648 م مر بها عمر بن الخطاب وصلى
قريبا من كنيستها كما فعل لاحقا مع كنيسة القيامة، ونسب إليه مسجد عمر بن الخطاب
الذي بني عام 1860م.
ينعكس التنوع الثقافي في المدينة على تنوع المراكز الثقافية
والمجتمعية فيها، فقد سجل أكثر من 300 ورشة حرفية للمهن اليدوية مثل التحف المصنعة
من خشب الزيتون، والتطريز، وعرق اللؤلؤ، وفي الجانب السياحي أكثر من ثلاثين فندقا
من مختلف الدرجات السياحية إضافة إلى المراكز الأهلية، غير الحكومية (NGOS). كما وإنها
تحتوي على خمس متاحف، هي: متحف سرير المهد (وما يزال قيد الإنشاء)، ومتحف جقمان المختص
بتاريخ الزيتون ومراحل إنتاج الزيت، ومتحف قلعة مراد، ومتحف بيتنا التلحمي، وأخيرا
تم افتتاح متحف تاريخ بيت لحم بالتعاون مع الاتحاد النسائي.
رغم المكانة الدينية والسياحية للمدينة، إلا إنها تعاني الكثير
من التحديات الخارجية المتمثلة بالاحتلال الإسرائيلي الذي يحاصرها بجدار الضم
والتوسع العنصري، بالإضافة إلى (16) مستوطنة، أكبرها مستوطنة أفرات التي تسرق
الاسم الكنعاني للمدينة ثم تسرق أرضها وحدودها ومتنفسها الطبيعي، ثم المعيقات في
وجه حركة السياحة في ظل مصادرة أراضي جبل أبو غنيم والشروع في إقامة الفنادق التي
تمتص السياحة من فنادق المدينة، ثم المخطط المستقبلي لإقامة سبعة فنادق من الدرجة الأولى
في خربة طباليا في بيت صفافا شمال المدينة.
تتمثل التحديات الداخلية فيما يصنعه حصار المدينة من أزمات
اقتصادية وسياحية واجتماعية، إضافة إلى ضعف الاهتمام الرسمي، وخصوصا بالشأن
الثقافي، مع انه تم إدراج كنيسة المهد ومدرجات بلدة بتير على قائمة اليونسكو
للتراث العالمي، وهو ما لا تتمتع به مدينة أخرى، لكن الموازنة المخصصة للسياحة
والثقافة لا تكاد تحسب، مع آن وزارة الثقافة، بالتعاون مع المنظمات الأهلية وجماعة
الباب الأدبية ومنتدى رواق المهد للثقافة والفنون، تدير النشاطات والجهود ضمن
المتاح من الميزانية والصلاحيات، إلا أن المطلوب أكثر بكثير.
ما دامت الثقافة هي الحصن الأول والأخير لطريق التحرر
الفلسطيني، والهزيمة الأخلاقية هي الضربة القاضية لأي مشروع تحرري، فان المطلوب لا
يكفي ان يرتبط بالنوايا الطيبة، ولا بالأحلام. نحتاج في بيت لحم أن نقدمها بما
يليق بها، وبما يساهم في مشروعنا نحو الحرية.
تعليقات
إرسال تعليق